الأربعاء , 11 ديسمبر 2019
ملء اللاهوت
ملء اللاهوت

ملء اللاهوت

” فإنه فيه يحل كل ملء اللاهوت جسديا. و أنتم مملوؤون فيه ”
رسالة كولوسي 2: 9-10
يا لفرحة الإنسان الذي خرج من لدن الله مطرودا, و نزل إلى أرض الشقاء و مرارة العيش, يلاحقه الشيطان كل لحظة و ينغص حياته,
و يحرمه من رفع و جهه نحو الله
أفي هذا الإنسان الذي قبل اللعنة في جوفه, بل و لعنت الأرض بسببه, و باتت الخليقة كلها تئن و تتمخض, يلاحقها الجوع و الشراسة بسبب خطية الإنسان و لعنة الأرض؛ أفي هذا الإنسان من رجاء؟
نسمع اليوم أن قائد البشرية الجديد الذي تغرب عن مجد أبيه, و ترك مجده كابن و حيد محبوب, يحمل في جسده ملء اللاهوت, و يصير هو أب البشرية الجديد, و يقودها معا إلى مجده المذخر له, و المنتظر فداء أجسادنا ليستعلن علنا لدى كل السمائيين, و لتعود الخليقة التي تئن إلى محررها, خاضعة طائعة فرحة و مسرورة.
هذا اليوم هو يوم الخليقة الجديدة التي لبسها إنسان الشقاء, و صار في قوام الله, حيث فك الله آدم من حبوس العبودية و أسر الشيطان و الخطية, بل و يزيد الله في حنانه و رحمته و عطفه و غفرانه, ليهب كل إنسان ملء الإبن, إذ صار الكل مملوءا فيه و هو في بهاء لاهوته؛ فينتقل الإنسان من صفوف العبيد إلى أوج ملوك السماء, حسبما يقول الكتاب : ” جعلنا لإلهنا ملوكا و كهنة ” .
و لو علم الإنسان مقدار ما حصل عليه, لما حل ملء اللاهوت في جسد المسيح, و صار إنسان الخطية هذا المبرر بدم المسيح شريك هذا الملء اللاهوتي؛ لما كف الإنسان عن التهليل و التسبيح و رفع آيات الشكر ليل نهار لله, الذي ملأه بنعمته,و دعاه إلى ملكه الأبدي, و أوقفه أمامه قديسا و بلا لوم, في ملء محبة الآب و الابن.
إن القول بأن جسد المسيح إمتلأ لاهوتيا هو فوق قدرة تصور الإنسان.
أما قوله إننا نحن صرنا مملوئين في ملء لاهوت المسيح, فنصبح و كأننا غيرنا جنسنا إلى جنس المسيح, و صرنا أعضاء في مملكة السماء, حتى و إن كنا لا نزال ندب على أرض شقائنا, فلم تعد خليقة الإنسان مستضعفة و لا مذلولة و لا فريسة مأكولة ببطش العدو.
و الآن إرفع رأسك أيها الإنسان, فلم تعد الأرض محط أنظارنا, و لا محور بقائنا, بل صرنا ناظرين إلى فوق إلى السماء حيث مخلص جنسنا قائم في مجده يدعونا أن نحارب حروب الرب لنتخلص من ماضينا المنغوص, و نعيش مستقبلنا كشركاء مجد المسيح و الله.
فهل يليق بأولاد الله المملوئين بملء المسيح لاهوتيا, أن يعيشوا كأبناء هذا الدهر, يعيشون عيشة الضلال في إباحية و استهتار, و يمضون عمرهم كأبناء اللعنة القديمة غير عابئين بحزن المسيح عليهم, و كأنه لم يصلب لأجلهم, و لا قام و لا غلب العالم, الأمور التي سلمها كلها لنا كشركاء آلامه و صليبه لنكون شركاء مجده.
أيها الأحبة, إن من عاش عيشة الخطية و استهتر بصليب المسيح و بوعوده التي حققها لحسابنا, يكون كمن داس على الصليب, وازدرى بروح النعمة, و تآخى مع الشيطان دون أن يدري, و ضيع ميراثه الأبدي؛ خسارة لا يمكن تصورها, لأنها خسارة حياة و مستقبل, و هي آختيار غبي للظلمة بدل النور, و الموت بدل الحياة, و الصياعة و العربدة بدل المجد المذخر لمحبي الرب.
فكما قال بطرس الرسول لليهود الباكين لمعرفة الحق:
” لأن الموعد هو لكم و لأولادكم و لكل الذين على بعد … فتوبوا … لكي تأتي أوقات الفرج من وجه الرب”.