الإثنين , 18 فبراير 2019
سفينة الخلاص
سفينة الخلاص

سفينة الخلاص

الذي هو لنا كمرساة للنفس مؤتمنة و ثابتة, تدخل إلى ما داخل الحجاب, حيث دخل يسوع كسابق لأجلنا

رسالة العبرانيين 6: 19-20

صحيح أننا الآن خليقة جديدة, و أننا أخذنا فعلا ميراثنا السماوي الذي إفتتحه يسوع المسيح لما صعد إلى السماء و دخل إلى الآب و آسترد لنا مجده, لنصبح شركاء ملك و شركاء مجد؛ و لكننا لازلنا متغربين في العالم ننتظر يوم الفكاك من الموت.

و لكن صاحب سفر العبرانيين يؤكد لنا أن سفينة الخلاص التي ركبناها بإيمان معمودية التجديد, لا تزال تمخر عباب هذا العالم البغيض.

و السر الذي يقول صاحب العبرانيين أنه إكتشفه لنا, أن مركب خلاصنا ليست مربوطة بعد بالأرض, و لكن ملاحي المركب الذين وكلوا للسير بها رموا سر المركب و هو المرساة إلى ما داخل الحجاب الذي يحجز بين السمائيين و الأرضيين, أي بين ملكوت المسيح في العلا و المجد, و بين الأرض بشقائها ونصيبها في الباقي من تجارب العدو و تنغيصه لحياتنا على الأرض.

فمركب خلاصنا لما ألقت المراسي إلى داخل ما وراء الحجاب, أصبحت ثابتة و ممنوعا عليها أن تمتد شبرا واحدا في ظلمة هذا العالم.

فنحن الآن في الجانب المواجه للعالم علينا أن نقبله و نسايره إلى أن تدخل مركب الخلاص بجملتها في ما داخل الحجاب, أو بالتالي تمزقه, فنصبح نحن المخلصين على بر الأمان حيث يستقبلنا القديسون الذين سبقوا, مع تهليل الملائكة بنا حيث يقودوننا إلى حضرة المسيح أمام الله.

أما هذه المرساة التي دخلت داخل الحجاب كسابق من أجلنا, فهي المسيح – تمجد إسمه – إذ عبر إلى ما داخل الحجاب و أعد لنا المكان بين صفوف المخلصين, كل بإسمه و مكانه, المكتوبين سابقا على كفه.

أما هذا الحجاب الذي آخترقه المسيح فهو حجاب الموت, موت اللعنة الأبدية التي آكتسبها آدم و ورثها لبني جنسه. وقد فتح المسيح في هذا الحجاب بابا رسميا يؤدي إلى عالم المجد السماوي.

و لكن لا تزال مركب الخلاص متوقفة في مكانها في هذا الموقف الحرج, إلى أن تستوفي عدد المخلصين و ترحل بالأمر إلى ما داخل الحجاب, جملة, حاملة كافة المخلصين الحائزين على ختم المسيح و صليبه؛ أما الذين لم يحصلوا على ختم المسيح و صليبه فلا يسمح لهم بالعبور, بل هم الذين لا يشاءون ذلك لأن ملاهي العالم تحتجزهم حيث يكونون مكتفين بها.

أما المكتوبون على كف صاحب المرساة فهم مطمئنون و منتظرون ساعة العبور بشوق و لهفة, لأن أصوات الفرح و التهليل المسموعة من وراء الحجاب التي للقديسين الذين عبروا تجعل شوقهم يغلي و دموعهم تنهمر بطول زمان الغربة.

و العبور البديع يتم عندما ينادى من السماء بالإسم فيعبر الإنسان في لحظة و يكون في آستقباله كل محبيه المخلصين مع الملائكة الذين كانوا موكلين بهم على الأرض.

و ينضم المخلصون معا و يكونون في جملتهم صورة فريدة للمسيح, تزيد من صراخ الملائكة و كل أجناد السماء, لأن المسيح عند الملائكة هو كلمة الله المخدومة منهم جميعا.

و قول الكتاب واصفا المسيح كمرساة مؤتمنة, يعطي القارئ الأساس الذي يبني عليه إيمانه, أن المسيح جدير بأن يقود إخوته في طريق مستحيل على البشر.

فكون المرساة تخترق جدار الحياة الفاصل بين الله و الإنسان, و بين الحياة و الموت, هي قيادة فريدة من نوعها, لم يقدر عليها نبي أو قديس, و لا حتى ملاك أو رئيس ملائكة. فالمرساة (أي الهلب في السفينة) هو قوة الله الفريدة التي أسكنها للمسيح لينوب عن الله نفسه؛ فالذي يقودنا من الموت إلى الحياة هو صاحب الحياة و قاهر الموت, أما صاحب الموت فهو إبليس.

علما بأن الله لم يأتمن موسى و لا أي نبي ليقود الإنسان من الموت إلى الحياة؛ لذلك كان إيماننا بالمسيح إيمانا لا مثيل له في حياة الإنسان, إذ ثبت بالثبوت القاطع أنه هو هو الله الذي عبر بنا من الخليقة الأولى المعثرة و المليئة بالإخفاقات و الخطايا و النقصان, إلى حياته نفسها, لننعم بقية حياتنا كخليقة محبوبة و ممجدة. و يصف الكتاب المرساة أنها مؤتمنة و ثابتة, هذا الثبوت وحده يجعلنا نواجه حقيقة إلهية, فالثبوت الدائم هو طبيعة الحق الإلهي.

فإن كانت مركب خلاصنا أخترقت, بواسطة المسيح, حاجز الموت, و رمت مراسيها وراء الحجاب بثبات, فيتحتم أن يصبح إيماننا بالمسيح من نفس نوع المرساة أمينا و ثابتا, حتى يصير خلاصنا و نحن راكبون مركب الخلاص أمينا و ثابتا, لأن صحة الإيمان الصادق بالمسيح هو شركة كاملة مكملة مع المسيح في و على أولاد الله أن يفرحوا و يسروا, لأن عملية الدخول إلى الحياة تمت بأمان و ثبات.

و أصبحنا محسوبون أننا نحيا فوق و ليس على الأرض.

و كما يقول الكتاب:<< إن ثبتم في و ثبت كلامي فيكم تطلبون ما تريدون فيكون لكم. بهذا يتمجد أبي أن تأتوا بثمر كثير فتكونون تلاميذي. كما أحبني الآب كذلك أحببتكم أنا, أثبتوا في محبتي. إن حفظتم وصاياي تثبتون في محبتي, كما أني أنا قد حفظت وصايا أبي و أثبت في محبته.>>.

صفتان تربطان الإنسان بالمسيح: الإيمان ؛ و الثبوت؛ على أن يبدأ الإيمان بحفظ الوصايا, ثم يتقوى بالتجارب. حينئذ يفوز الإنسان بآختبار الخلاص الذي يقوده إلى كل معرفة الطريق, حيث الطريق هو نفسه وجود المسيح << أنا هو الطريق و الحق و الحياة>>, بحيث إن وضعنا قلبنا و روحنا في طريق المسيح فنكون قد فزنا بالمسيح نفسه, و من فاز بالمسيح فاز بالحق و الحياة.

و لقد كان آنشقاق حجاب هيكل أورشليم لحظة صلب المسيح معبرا عن إبطال الناموس و دخول الأمم عهد الله الجديد.

أما خرق الحجاب الذي يفصل السمائيين الممجدين عن الذين يشقون على الأرض بآنتظار تكميل الخلاص, فكان وقفا على رئيس الخلاص و مكمله يسوع, لأن عبور هذا الحجاب يعني الترائي أمام وجه الله مباشرة, فهو عبور خلاص فريد من موت إلى قيامة, و من بشرية مغضوب عليها إلى لاهوت معلى هو ملء الإبن المسكوب عليه من ملء الآب.

و مع المسيح دخل الإنسان المفدى إلى ملء المسيح كواحد, في ملء الكل في الكل.