السبت , 24 أغسطس 2019
الحياة في المسيح
الحياة في المسيح

الحياة في المسيح

و إن كان إنسانان الخارج يفنى، فالداخل يتجدد يوما فيوماً

الرسالة الثانية إلى كورنثوس 16:4

إنسانان الخارج إستلمناه من الزمن . فكل إنسان يعرف تاريخ ميلاده، و كلما زاد الإنسان في العمر تتخلى عنه قوته قليلا قليلا دون أن يستشعر ذلك، إلى أن تأتي السنين فينظر الإنسان إلى حياته فيراها قد أكلتها السنين، ثم ينظر أمامه فلا يجد أملا في الدنيا بعد. فإن كان قد اذخر في شبابه سنينَ أعطاها للمسيح في تقوى و قداسة و صلاة و خدمة و تسبيح، فإن أمله يتجدد، و يرى أن حياته إنما إبتدأت تأخذ جدتها في المسيح و كأنه أصبح إنساناً جديدا بشبابه و رجائه و نظرته للمستقبل القريب و البعيد سيان، لأنه يسمع الصوت الآتي من فوق: تشجع فإنك عن قريب ستكون معنا. و هكذا يمتلئ سرورا و عوضا عن الحزن على الماضي، لأن الحياة في المسيح تُجدد شباب الإنسان فيزداد مع السنين حكمة و نعمة و قولا سديدا، و يراه الناس فيمجدون الله فيه لأن الشيخوخة المستنيرة هبة للعالم و تقييمٌ مريحٌ و محببٌ للإنسان.

و الإنسان الذي مَنَ الله عليه بِيقظة الضمير و إستنارة في معرفة أمور الله، هو ذخيرةٌ لا يمكن التقليل من قيمتها للآخرين، لأنه يلزم أن يدرك الإنسان في المسيح أن هبة الإنسان الجديد هي عطية للآخرين أكثر منها للإنسان، فالخارج الذي يفنى أمام عين الإنسان هو مِلْكُه الذي يحاول أن يمتد به إلى الأمام، أما الإنسان الجديد الذي يتجدد كل يوم حسب صورة خالقه في المجد فهو ملك الآخرين و نور للعالم. فالإنسان الجديد هو في الحقيقة مخلوق على صورة المسيح في المجد. و إذا كان الإنسان العتيق هو فخر أمه، فالجديد الذي يتجدد كل يوم بإنسكاب النعمة عليه و إستقائه من ماء الحياة النابع من أمام عرش الله، هو فخر المسيح و مجد اللهالذي يثبتنا معكم في المسيح، و قد مسحنا، هو الله كو 21:1

و العجب العجاب أن خليقة الإنسان الأولى الترابية إستبدت بالتاريخ و الزمن كأن السنين الطويلة التي عادت على البشرية محسوبة و كأنها عمر الإنسانية، و يعدد العلماء مقدار غنى البشرية في العلوم و المعارف و الإختراعات و التكنولوجيا و كأنها ميراث البشرية الذي تعتز به و تتفاخر؛ في حين أن عمر الإنسان الجديد الذي خلقه الله بالتدبير لنفسه خلقه قبل تأسيس العالم، خلقه في المسيح و خلق له مستقبله و أعماله الصالحة معتبرا أنه إبنه، فخلقه على صورة إبنه في المجد؛ خلقه قبل أن يخلق الأكوان السمائية و قياداتها العظيمة، لذلك كان الإنسان في موضع مسرة الآب حتى قبل أن قدماه على الأرض.

لذلك لما خان آدم الصورة الترابية للإنسان الذي كان أيضا هو الآخر على شبه الله، أحزن قلب الله و جعله يدبر تدبيره الإلهي لإنقاذ الإنسان من عبودية الخطية و الموت، فأرسل إبنه ليتبنى قضية الإنسان تجاه أعداء الله، و يرفع عن كاهل مرارة الخطية و رُعبة الموت و سيادة الشيطان؛ فكان الصليب الذي هتك فيه الشيطانَ و ظفر به مع أعدائه، و فك أسر الإنسان من عبودية الخوف من الموت و سلطان الخطية و الشيطان، و وهبه إنسان القيامة المحسوب أنه الإنسان الجديد المخلوق جديدا على صورة خالقه في المجد، و وهبه الله كل ميراث المسيح إبنه المحبوب في المجد.

و هكذا إسترد الإنسان خلقته الروحية الإلهية من الله و وهبه روحه القدوس ليثبت في المسيح و الله، و لا يعود ينحاز للخطية و العدو. و لكن الله من أجل رحمته و غناه في الحكمة أبقى للعدو بقية ليُجرب الذين يرفضون الخلاص المجاني و يتبعون الحية القديمة التي أسقطت آدم، و ذلك حتى يستظهر أصحاب الإنسان الجديد على قوى العدو، و يظلوا شهداء لغنى مجد الله في يسوع المسيح و شركاء فيه و في مجده مع كافة قديسيه.        

الحياة في المسيح

الحياة في المسيح